محمد باقر الملكي الميانجي
303
مناهج البيان في تفسير القرآن
قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ » . ( 91 ) الفرق بين هذه الآية وسابقتها أنّ السابقة في بيان موقف التوبة أو شرط صحّتها ؛ وهو الجدّ في التوبة بخلاف توبة المنافق فإنّه لا توبة له ، مثل قوله تعالى : « اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ » ، [ التوبة ( 9 ) / 80 ] . وأمّا هذه الآية فهي في مقام بيان حلول العذاب لساحة الكفّار ، وأنّه لا مطمع في نجاتهم بالفداء ، ولا بشفاعة الشافعين فإنّ مورد الشفاعة من ارتضاه اللّه من حيث دينه ؛ والدّين المرضيّ عند اللّه هو الإسلام . والظاهر أنّ قوله تعالى : « فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً » أي على فرض إنفاقه في الدنيا . وكذا قوله : « وَلَوِ افْتَدى بِهِ » فلا تنفعه الفدية بملء الأرض ذهبا . قوله تعالى : « لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ » . قال في لسان العرب 4 / 52 : وبرّ يبرّ إذا صلح . وبرّ في يمينه يبرّ إذا صدّقه ولم يحنث . وبرّ رحمه يبرّ إذا وصله . ويقال : فلان يبرّ ربّه أي يطيعه . . . والبرّ : الصادق . وفي التنزيل العزيز : « إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ » . قال في مجمع البيان 2 / 473 : واختلف في البرّ هنا فقيل : هو الجنّة ، عن ابن عباس ومجاهد . وقيل : هو الطاعة والتقوى ، عن مقاتل وعطا . وقيل معناه : لن تكونوا أبرارا أي صالحين أتقياء ، عن الحسن . أقول : ظاهر أنّ البرّ الّذي ينالونه بإنفاق ما يحبّون إنّما هو في مرتبة الجزاء . وحيث إنّ منشأ كلّ جزاء والمعطي لكلّ خير وبرّ هو اللّه جلّ ثناؤه فيكون المعنى : لن تنالوا برّ اللّه وكرامته لأهل الإنفاق وأهل طاعته حتّى تنفقوا من جياد أموالكم ومن نفائسها . فالمراد من البرّ المذكور في الآية هو جزاؤه تعالى للأبرار والمنفقين والمحسنين . في الكافي 2 / 157 ، عن محمّد بن يحيى مسندا عن أبي ولّاد الحنّاط قال : سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّ وجلّ : « وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً » .